إله ابن الفارض

    شاطر
    avatar
    Admin
    رئيس مجلس الإدارة

    عدد المساهمات : 435
    تاريخ التسجيل : 01/06/2010
    الموقع : http://sofiatalsudan.forumj.net

    إله ابن الفارض

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء أغسطس 18, 2010 4:28 am



    (ابن الفارض هو عمر بن أبي الحسين علي بن المرشد بن علي شرف الدين الحموي الأصل المصري المولد، توفي سنة 632هـ، ولم نتحدث عمن سبقه من الصوفية كالحلاج أو البسطامي مثلاً، لأننى اخترت أن أنقل عمن يجمع الصوفية جميعاً سلفاً وخلفاً على تقديسهم، أما الحلاج وغيره فيطعن فيه رياء ونفاقاً بعض الصوفية فتركته، حتى لا يكون لهم رياء معذرة) يؤمن هذا الصوفي ببدعة الاتحاد، أو الوحدة سمها بما شئت. بصيرورة العبد رباً، والمخلوق خلاقاً، والعدم الذاتي الصرف وجوداً واجباً، وإذا شئت الحق في صريح من القول، فقل: هو مؤمن ببدعة الوحدة، تلك الأسطورة التي يؤمن كهنتها بأن الرب الصوفي تعين بذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله في صور مادية، أو ذهنية، فكان حيواناً وجماداً وإنساً وجناً وأصناماً وأوثاناً. وكان وهما وظناً وخيالاً، وكانت صفاته وأسماؤه وأفعاله، عين ما لتلك الأشياء من صفات وأسماء وأفعال؛ لأنها هي هو في ماهيته ووجوده المطلق أو المقيد، وكل ما يقترفه البغاة من خطايا، وما تنهش الضاريات من لحوم، أو تعرق من عظام، فهو فعل الرب الصوفي، وخطيئته وجرمه!!

    وإخالك الآن تود لو تسوى بي الأرض، أو تدهمني – على غرة صاعقة، إذ يجري على لسان الحق ذكر ابن الفارض منعوتاً بالزندقة وتعجب أن يكون سلطان العشق الصوفي زنديقاً!!

    وما علي – برحمة الله – مما تود، ولن يمنعني عجبك في ذهوله من أن أحكم على ابن الفارض بما ارتضاه هو ديناً له وتدبر ما سأنقل لك عنه من تائيته، فلعل يزول عجبك، وينفثئ غضبك.

    جلت في تجليها الوجود لناظري ففي كل مرئي رآها برؤية

    يزعم أن الذات الإليهة هتكت عنه حجب الغيرية، وجلت له الحق المغيب، فرأي حقيقة الله متعينة بذاتها في كل مظاهر الوجود، رأي هذا الكون المادي بكل ما يدب عليه، أو يغتال الحياة والأعراض في غياهب ليله الساجي، ومغاوره المظلمة، رآه هو عين الله وماهيته، ورأى وجوده عين وجوده، فما تم من شئ عند ابن الفارض إلا وهو الله، بل ما للرب – رب ابن الفارض- وجود سوي وجود تلك الصور المادية، أو الذهنية المنطبعة عن شئ متحقق، أو متوهم، أو متخيل. أما وقد نعق بهذا البهتان، فليفتر لنفسه ما يترتب على الإيمان به؛ لهذا راح يزعم أنه بذاته اتحد بذات ربه، فكانت الثنائية في الاسم، وكانت الوحدة في الحقيقة والوجود، وأنه في جلوة تلك الوحدة يشهد في ذاته وصفاته وأفعاله ذات الله وصفاته وأفعاله، وعن هذا يعبر.

    وأشهدت غيبي، إذ بدت، فوجدتني هنالك إياها بجلوة خلوتي

    شهد "هوية" الوجود الإلهي، أو باطنه، "إنية" وجوده هو، أو ظاهره، فلم يجد للرب وجوداً سوى وجوه ولا لذاته كياناً متقوماً غير كيانه، فهتف في جذل البشرى: أنا الله!!

    بيد أنه خشي أن يتوهم أحد أن هذا الشهود وهم طارئ، أو حال عارض أو صورة من حلم أسبل لها فكره وعينه، خشي هذا، فقال:

    ففي الصحو بعد المحر لم أك لغيرها وذاتي بذاتي، إذ تحلت ، تجلت

    والصحو في دين الصوفية هو رجوع العارف إلى الإحساس بعد سكرته بوارد قوى، وفيه يشهد العارف المغايرة بين الذات الإلهية ومظاهرها أو صفاتها، يشهد أن الكون ليس هو الذات الإلهية، وإنما هو تجليات أسمائها وصفاته، ومجال لأفعالها. أما المحو في دينها فهو امحاء الكثرة والغيرية، والخلقية المتنوعة المتعددة. وفناء السوية، وتجلى الوحدة المطلقة، فيرى الصوفي الخلق عين الحق، والمربوب عين الرب.

    فثمت إذن فرق عند الصوفية بين الصحو والمحو، ولكن ابن الفارض أبي أن يؤمن بهذا الفرق المبتدع، فهتك الستر، ومزق القناع؛ ليكشف لك في قول صريح عن حقيقة معتقد الصوفية، ومضى مسرعاً يلهث؛ ليدرك فكرك قبل أن يؤمن بذلك الفرق بين الصحو وبين المحو!! وليؤكد لك أن دين الصوفية قائم من أول مرة على الإيمان بأن الله سبحانه هو عين خلقهّ!! على نفي كل مغايرة – مطلقة، أو مقيدة، إضافية، أو نسبية – بين الخالق والخلق، سواء في ذلك حال الصوفي في الصحو، وحاله في المحو، وهكذا صرح ابن الفارض في جرأة شرود بما يرمز عنه سواه من منافقي الصوفية، حين يفجؤهم برهان الحق، ولذا يقول.

    إلى كم أواخي الستر، هاقد هتكته وحل أواخي الحجب في عقد بيعتي

    يعني أنه عاهد الحق حين بايعه على أن يهتك كل ستر، و يحل كل أنشوطة، حتى يرى كل ذي بصر أن الله يتمثل دائماً في صور الخلق، وتتعين ذاته بذواتهم!!

    وتدبر هذه الصراحة الصارخة الجرأة في قول ابن الفارض: "وذاتي بذاتي، إذ تحلت تجلت" تدبر تجد الزنديق، يأبى أن يثبت لربه ذاتاً، ويتعالى أن يجعل وجوده هو فيض وجود ربه، فلم يقل :"وذاتي بذاته" أو "ذاته بذاتي" وإنما قال: ليحكم بالعدم الصوفي على رب الوجود الحق، وخالقه: "وذاتي بذاتي" فليس ثمت إلا ذاته هو في الحالينّّ ألا تحس الجحود طاغي البغي؟!

    ما ثم عند ابن الفارض من رب، ولا مربوب. إلا وهو ابن الفارض إنه الخلاق. وإنه هو الوجود، وواهب الوجود، وما الرب الأكبر إلا أثر من آثار قدرته، أو جزئي تأئه حيران من كليه!! هذا دين ابن الفارض. فبماذا تحكم عليه؟!

    فوصفين إذ لم تدع باثنين وصفها وهيئتها – إذ واحد نحن- هيئتي

    يزعم أن كل ما وسف به الله نفسه، فالموصوف به على الحقيقة هو ابن الفارض؛ لأنه الوجود الإلهي الحق، في أزليته، وأبديته، وديمومته، وسرمديته.

    فإن دعيت كنت المجيب، وإن أكن

    منادى أجابت من دعاني، ولبت

    إن دعي الله أجب ابن الفارض؛ لأنه عينه، وإن دعي ابن الفارض لبى الله، لأنه اسمه ومسماه! ولكن أتلمح الكبر جائر العتو من ابن الفارض على خالقه؟ إذ يزعم أنه إن دعي الرب، فما يفعل ابن الفارض شيئاً سوى أن يجيب، أما إذا دعي ابن الفارض، فما يكفي الرب أن يجيب، وإنما يهرول ملهوفاً إلى التلبية!!.

    ما كفاه زعمه أنه الله، فأكد أن الرب الأكبر ما هو إلا صورة شاحبة منه، وظل حيران له!!.

    فقد رفعت (يصح أن يكون معناه أن الخطاب رفع بينه وبين غيره، لعدم وجود غير، ويصح أن يكون معناه أن"الفتحة" من تاء الخطاب في مثل "خلقت" بفتح التاء تحولت إلى ضمة وهي علامة رقع، فصارت "خلقت" بضم التاء لا فتحها أي صارت تاء المخاطب بفتح الطاء عين تاء المتكلم) تاء المخاطب بيننا وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي.

    الخطاب يستلزم الاثنينية، إذ لا بد له من طرفين متقابلين مخاطب ومخاطب، ولهذا يكفر ابن الفارض بما يؤكده الخطاب في آيات الله، أو في دعاء الداعي من دلالة على المغايرة بين المتخاطبين!! وينفي صدور خطاب أو دعاء منه إلى "غير ما" فما ثم "غير" حتى يخاطبه، أو يدعوه!!.

    فإذا ما صدر منه خطاب، أو دعاء إلى الله، فلا تحسبن أنه يخاطب غيره؛ إذا الخطاب صادر منه إليه، والدعاء متوجه به من نفسه إلى نفسه.

    لقد كان يقول من قبل أن يكشف عنه الغطاء: أنت أنت، فما تجلت له الحقيقة صار يقول: "أنا أنا" فما "أنت" تلك إلا "أنا" ذاتاً ووجوداً!!.

    ويرى ابن الفارض أن إثبات الربوبية الخلاقة وحدها لنفقسه شئ دون مقامه الأكبر، فيفتري أن له الربوبية بوحدانيتها وصفاتها وأسمائها وأفعالها، بملكها وملكوتها، برحمانيتها وجبروتها، بقدرتها، القهارة، وعلمها المحيط الشامل، بما أبدعت من خلق، ومنحت من حياة.

    ولا فلك إلا ومن نور باطني به ملك يهدى الهدى بمشيئتي

    (يقول تعالى لبنيه الأعظم (28:56 إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء) فجعل ابن الفارض نفسه أعظم من محمد، وقريناً مساوياً لله!!)

    ولا قطر إلا حل من فيض ظاهري

    به قطرة عنها السحائب سحت

    ولولاي لم يوجد وجود، ولم يكن شهود، ولم تعهد عهود بذمـة

    فلا حي إلا من حياتي حياته وطوع مرادى كل نفس مريدة

    (أيقول هذه مسلم؟ إنها لله وحده، فنسبها ابن الفارض على نفسه!!)

    فبماذا يحكم المؤمن على زنديق يفتر أن ملكوت كل شئ بيده، وأن الوجود كله قطرة فيض من جوده ووجوده، وأن الإرادة البشرية كلها طوع هواه.

    وكل الجهات الست نحوي توجهت بما تم من نسك وحج وعمرة

    لها صلواتي بالمقام، أقيمها وأشهد فيها أنها لي صلت

    هذه الصلوات يقيمها النساك في قدس المحاريب، وهذه الضراعات يتبتل بها القديسون، وهذه الدعوات يتهجد بها العباد تحت سجوات الليل، وهذه المناسك ينسكها الحجاج والمعتمرون. إنها لا ترفع في الحقيقة إلى الله، وإنما تتوجه بها القلوب إلى ابن الفارض رجاء رحمته، وابتعاء رضاه!.

    وهؤلاء المصلون يولون وجوههم شطر المسجد الحرام. إنهم يولونها شطر هيكل ابن الفارض. وهذه النذور يحفد بها الملهوفون، إنها قرابين العبودية منهم، ويبتغون بها وجه ابن الفارض!

    والله جل شأنه يقول: (2:115 ولله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله) غير أن ابن الفارض يرفع في وجه الحق باطله، فيفتري أنه ما ثم إلا وجهه هو، وأن الكون كله ما يولي بجهاته الست وجهه إلا إليه!.

    وذلك الرب الصوفي الهيمان في ملكوت ابن الفارض! ايعيش عاطلاً بلا عمل؟ أيخالف عن أمر ابن الفارض؟ كلا فقد أرغمه ابن الفارض على أن يرتسم خاشع الذل في المعابد يصلي لابن الفارض، ويرجو رحمته.

    أرأيت إلى سلطان العاشقين: كيف يفتري في شعره الوثني كل هذه الخطايا المجوسية؟!

    ويهفو ابن الفارض لاهث الأنفاث؛ ليفتري لك مرة أخرى. أنه هو الله. كلانا مصل واحد ساجد إلى حقيقته بالجمع (الجمع عند الصوفية هو "شهود الحق "أي الله" بلا خلق)في كل سجدة.

    ولكن لـ(كلانا) هذه دلالتها الحتمية على وجود اثنين أو تحقق وجودين يغاير أحدهما الآخر. لهذا كر ابن الفارض يعدو في لهفة مجنونة؛ ليستدرك على "كلانا" بما ينسخ ما توهمه، فقال:

    وما كان لي صلي سواي، ولم تكن صلاتي لغير في أدا كل سجدة



      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء يوليو 26, 2017 4:41 pm