الأولياء والكرامات

    شاطر
    avatar
    Admin
    رئيس مجلس الإدارة

    عدد المساهمات : 435
    تاريخ التسجيل : 01/06/2010
    الموقع : http://sofiatalsudan.forumj.net

    الأولياء والكرامات

    مُساهمة من طرف Admin في السبت أغسطس 07, 2010 8:56 pm

    موسوعة الفرق » الباب العاشر: الصوفية » الفصل السادس عشر: البدع العلمية للصوفية » المبحث الرابع: الأولياء والكرامات


    من أكثر الأشياء التي يدندن حولها الصوفية قديماً وحديثاً موضوع الأولياء والكرامات التي تحصل لهم ، وقبل إن نتكلم عن مدى مطابقة ما يذهبون إليه للكتاب والسنة ، قبل هذا لا بد تعريف الولي وكيف تطورت هذه اللفظة لتصبح مصطلحاً خاصاً علماً على فئة معينة ثم نتكلم عن الكرامات وما هو مقبول منها وما هو مردود . جاء في كتاب (قَطْر الولي على حديث الولي : الولي في اللغة: القريب والولاية ضد العداوة ، وأصل الولاية المحبة والتقريب ، والمراد بأولياء الله خلص المؤمنين ، وقد فسر سبحانه هؤلاء الأولياء قوله: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}[يونس:63]أي يؤمنون بما يجب الإيمان به ويتقون ما يجب عليهم اتقاؤه من المعاصي ، قال ابن تيمية: الولي سمي ولياً من موالاته للطاعات أي متابعته لها ، وهذا المعنى الذي يدور بين الحب والقرب والنصرة هو الذي أراده القرآن الكريم من كلمة ولي مشتقاتها في كل موضع أتى بها فيه ، سواء في جانب أولياء الله أو في جانب أعداء الله. ومن ثم فليس لنا أن نخرج هذا المصطلح عن المعنى الذي حدده القرآن بلسان عربي مبين . يقول ابن حجر العسقلاني: " المراد بولي الله: العالم بالله تعالى ، المواظب على طاعته . " ، هكذا كان استعمالها وظلت النظرة إليها بهذا المعنى إلى أن دخلت أوساط الشيعة ثم في دائرة الصوفية فأطلقوها على أئمتهم ومشايخهم مراعين فيه اعتبارات أخرى ، غير هذه الاعتبارات الإسلامية فأصبحت محصورة في طائفة خاصة بعد أن كانت صفة محتملة لي إنسان يقوم بنصرة دين الله من عباده المسلمين ، وأول من صرف هذا المعنى إلى معنى خاص هم الشيعة فأطلقوها على أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه على اعتبار أنه هو وذريته (بشراً نورانين من طينة مكنونة تحت العرش) ثم أضاف لها الشيعة والصوفية (العلم اللدني لأن الشيعة يعتقدون أن علي ابن أبي طالب أخذ علماً خاصاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم .
    والقشيري من الصوفية يرى: " بأن من أجل الكرامات التي تكون للأولياء العصمة من المعاصي والمخالفات " وهذه قلدوا فيها الشيعة الذين يعتقدون العصمة لأئمتهم ، وربما تلطف الصوفية فسموها (الحفظ) كما يقول الكلاباذي " ولطائف الله في عصمة أنبيائه وحفظ أوليائه .... " وأكبر مقامات الولي عند الصوفية هو (الفناء) وهو باب الولاية ومقامها أما عند ابن عربي فهي مراتب ومنها مرتبة الولاية الخاصة وهو الورثة لأنهم أخذوا علمهم عن الله مباشرة !!؟ ، وهم عن ابن عربي أفضل من الأنبياء نظراً لما هم عليه من ذوق أدركوا به علم الوجود ووقفوا على سر القدر .
    هذا هو التحديد التعسفي لمفهوم الولاية عند الصوفية ، أما شخصية الولي في القرآن الكريم فهي شخصية إيجابية يترسم خطى الدين في كل ما أمر أو نهي ، والصحابة ومن تبع أثرهم من العلماء العاملين هم أولى الناس بهذا اللفظ ويصدق عليهم حديث: " من عادى لي ولياً .... " وطريق الوصول إلى الولاية عند الصوفية طريق معكوس لأن الغاية من مجاهداتهم هي معرفة أو الفناء و والمفروض أن معرفة الله سبحانه هي خطوة أولى للإيمان وهذه المعرفة فطرية كما يحدثنا القرآن ، والعمل الصالح هو الذي يوصل إلى أن يحب الله عبدَه ، وأما فناؤهم فهو يوصلهم إلى كفر الاتحاد والحلول فطريق الولاية عند أهل السنة سهل ميسر ومن أول هذا الطريق تبدأ المحبة بين الله سبحانه وعبده بينما طريق الصوفية طريق شكلي إلى ، لا بد أن يمر المريد بكذا وكذا ثم يصل إلى شطحات يظن فيها أنه شاهد الحق . وأفضل الأولياء عند أهل السنة الأنبياء والرسل بينما عند الصوفية النبي يقصر عن الفلاسفة المتألهين في البحث والحكمة كما يقول السهروردي المقتول على يد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله ، فالولي عند أهل السنة هو ذاك المسلم الإيجابي الذي يقوم بالطاعات ، والولي عند الصوفية هو المستغرق في الفناء .
    بعد هذا البيان والإيضاح لكلمة الولي وكيف تطورت ، والمعنى السني لها ، لا بد من توضيح المقصود بـ (الكرامات) وما هو رأي أهل السنة فيها وهل التزم الصوفي بهذا الرأي ؟ وهل هناك ارتباط بين الولاية والكرامة فنقول:
    خلق الله سبحانه وتعالى هذا الكون وسيره على سنن محكمة مطردة لا تتعارض ولا تتخلف ، وربط المسببات بأسبابها والنتائج بمقدماتها وأودع في الأشياء خواصها ، فالنار للإحراق ، والماء للإرواء والطعام للجائع ، ثم هذا النظام الكوني البديع المتناسق الشمس والقمر والنجوم ، وتعاقب الليل والنهار .. كل بنظام محكم ، فإذا لم ترتبط الأسباب بنتائجها وخرقت هذه العادة المألوفة بإذن الله لمصلحة دينية أو دعاء رجل صالح ، فهذا الخرق إذا كان لنبي فهو معجزة ، وإذا كان لأناس صالحين فهو كرامة وهذه الكرامة إن حصلت لولي حقاً فهي الحقيقة تدخل في معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم وتحصل ببركة إتباعه .
    وهذه الخوارق إما أن تكون من جهة العلم بأن يسمع النبي ما لا يسمع غيره أو يرى ما لا يراه غيره يقظة ومناماً أو يعلم مالا يعلم غيره حياً وإلهاماً أو فراسة صادقة لعبد صالح ، وإما أن تكون من باب القدرة والتأثير مثل دعوة مستجابة أو تكثير الطعام وعدم إحراق النار ، وقد حصل للصحابة رضوان الله عليهم كرامات من هذا النوع وكانت إما لحاجة أو حجة في الدين ، كما أكرم الله سبحانه أم أيمن عندما هاجرت وليس معها زاد ولا ماء فكادت تموت من العطش وكانت صائمة ، فلما كان وقت الفطر سمعت حساً على رأسها فإذا دلو معلق فشربت منه ، وكان البراء بن مالك إذا أقسم على الله أبّر قسمه ، وكان سعد بن أبي وقاص مستجاب الدعوة ، مشى أمير الجيوش الإسلامية في البحرين العلاء بن الحضرمي وجنوده فوق الماء لما أعترضهم البحر ولم يكن معهم سفن تحملهم وأُلقي أبو مسلم الخولاني في النار فلم تحرقه .
    هذه حوادث صحيحة وقعت للصحابة رضوان الله عليهم ، وأكثر منها وقع في عصر ما بعد التابعين . فأهل السنة لا ينكرون الكرامات كما ينكرها المبتدعة ، وهم يعلمون أن الله الذي وضع الأسباب ومسبباتها قادر على خرق هذه السنن لعبد من عباده ، ولكن الصوفية جعلوا مجرد وقوعها دليلاً على فضل صاحبها حتى ولو وقعت من فاجر قالوا هذه كرامة لشيخ الطريقة ولذلك لا بد من ملاحظات وتحفظات حول هذا الموضوع .
    أولاً: هذه الخوارق كانت تقع للصحابة دون تكلف منهم أو تطلب لها أو رياضات روحية يستجلبون بها هذه الخوارق ، بل تقع إكراماً من الله لهم أو دعاء يرون فيه مصلحة دينية إما لحجة أو لحاجة للمسلمين كما كانت معجزات نبيهم صلى الله عليه وسلم ، أما المتأخرون فيطلبونها ويتكلفون لها الرياضات الروحية وربما أفسد جسمه ونفسيته بسبب هذا مع أن " طلب الكرامات ليس عليه دليل ، بل الدليل خلاف ذلك فإنما غيب عن الإنسان ولا هو من التكاليف لا يطالب به " وهذا من التأثير بالفلاسفة حيث يقررون رياضات معينة للوصول إلى هذه الخوارق .
    ثانياً: إن كرامات أولياء الله لا بد أن يكون سببها الإيمان والتقوى والولي لله هو المحافظ على الفرائض والسنن والنوافل ، عالماً بأمر الله عاملاً بما يعلم فمن صفت عقيدته وصح عمله كان ولياً لله يستحق إكرام الله له إن شاء ، فهذا إذا خرقت له العادة لا تضر ولا يغتر بذلك ولا تصيبه رعونه ، وقد لا تحصل لمن هو أفضل منه فليست هي بحد ذاتها دليلاً على الأفضلية ، فالصديق رضي الله عنه لم يحتج إليها ، وحصلت لغيره من الصحابة ، كما أنه ليس كل من خرقت له العادة يكون ولياً لله كما أنه ليس كل من حصل له نِعَمٌ دنيوية تعد كرامة له ، بل قد تخرق العادة لمن يكون تاركاً للفرائض مباشراً للفواحش فهذه لا تعدوا أن تكون إما مساعدة من شياطين الجن ليضلوا الناس عن سبيل الله ، أو استدراج من الله ومكر به أو رياضة مثل الرياضات التي يمارسها الهنود والبوذيون الكفرة ثم يضربون أنفسهم بآلات حادة ولا تؤثر فيهم أو يتركون الطعام أياماً عديدة إلى غير ذلك ويظن الفسقة أن هذه كرامة لهم .
    ثالثاً: هناك سؤال مهم في هذا الصدد وهو لماذا كانت هذه الحوادث من خرق العادات قليلة في زمن الصحابة والتابعين ثم كثرت بعدئذ ؟
    يجيب ابن تيمية: " أنها بحسب حاجة الرجل فإذا احتاج إليها ضعيف الإيمان أو المحتاج أتاه فيها ما يقوي إيمانه ويكون من هو أكمل ولاية منه مستغنياً عن ذلك لعلو درجته ، كما أن عدم وجودها لا يضر المسلم ولا ينقص ذلك في مرتبته والصحابة مع علو مرتبتهم جاءتهم هذه الخوارق إكراماً لهم أو لحاجة في الدين ، وكثرتها في المتأخرين دليل على ما قاله ابن تيمية أو لتطلبهم إياها بالرياضة الروحية .
    رابعاً: إن معجزة هذا الدين الكبرى هو القرآن الكريم الذي أنزله الله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ، وعندما طلب منه صلى الله عليه وسلم معجزات مادية رفض ذلك لأن هذا ليس هو منهج هذا الدين وقد ذكر القرآن الكريم هذا الطلب ، قال تعالى : " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ، أو تكون لك جنة من نخيل فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ، أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً}[الإسراء:93].
    كما أمر صلى الله عليه وسلم أن يبرأ من دعوى الغنى والقدرة وعلم الغيب إلا ما علمه الله سبحانه وتعالى : {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ}[الأنعام:50]، ولذلك كانت حياته وسيرته تجري كبقية عادات البشر ومألوفاتهم مع ما أعطي من شرف المنزلة ، وعندما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لم يطر في الهواء ولم تطو له الأرض وإنما سار كما يسير أي راكب ويقطع المسافة في تسعة أيام ، لماذا ؟ لأن هذا هو الأصل ، الأصل أن يسير الناس على السنن الكونية التي أودعها الله في الخلق ، ولكن كثرة الناس يؤذيها أن يكون الكون سائراً على قانون محكم ويسعدها أن يكون هذا القانون بيد المجاذيب والدراويش يتصرفون به .
    وتبقى الحقيقة أن الاستقامة على طريق الهدى ، طريق السنة والإتباع ، طريق الصحابة ومن تبعهم بإحسان ، هذه الاستقامة هي عين الكرامة ، فإن حصل بعدئذ خرق العادة إكراماً من الله سبحانه وتعالى لمؤمن صادق فهذه يجب أن يخفيها ولا يذيعها ويشكر الله سبحانه على ما منّ به عليه.

    الصوفية نشأتها وتطورها لمحمد العبدة، وطارق عبد الحليم

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت سبتمبر 23, 2017 10:14 am